في الأدبيات الصحية، كثيرًا ما يتم الخلط بين مصطلحي العافية (Wellness) والرفاه (Well-being). فبينما تشير العافية إلى السلامة الجسدية والعقلية والحفاظ على الوظائف الحيوية، فإن الرفاه مفهومٌ أوسع وأشمل؛ إذ يرتبط بجودة الحياة، والرضا، والتوازن النفسي والاجتماعي، والشعور بالمعنى. وفي طب الأسنان، حيث تتطلب الممارسة تركيزًا عاليًا ومسؤوليات طبية وتنظيمية متداخلة، يغدو الرفاه ركيزة أساسية لا مجرد ميزة إضافية، بل الأساس الذي يضمن استدامة الطبيب وقدرته على العطاء المهني.


ومهنة طب الأسنان ليست مجرد «علاج أسنان»، بل هي بيئة عمل عالية الضغط، تمتد بساعات طويلة، وتتخللها مواجهات يومية مع الألم والقلق الإنساني. ويُضاف إلى ذلك شعورٌ خاص بالعزلة تفرضه هندسة المكان نفسها؛ فالطبيب يقضي يومه داخل عيادة محدودة المساحة، يضيق فيها المجال البصري تدريجيًا حتى ينحصر في فمٍ صغير، ثم في سنٍّ متناهية الصغر لإجراء بالغ الدقة. هذا التدرّج في تضييق المساحة لا يقيّد الجسد فحسب، بل يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، قد يتجلّى في شعورٍ بالوحدة والعزلة الذهنية مع مرور الوقت.


وفي هذا السياق، يواجه طبيب الأسنان ثلاثة تحديات نفسية رئيسية قد تعصف باستقراره، يمكن تسميتها بـ "ثلاثي الخطر":

أولًا: إجهاد التعاطف (Compassion Fatigue)، أو ما يُعرف بـ "الصدمة الثانوية". وهي حالة تصيب من يستمعون ويرون معاناة الآخرين بشكل متكرر. إنها عملية تراكمية تستنزف الطاقة العاطفية للطبيب، مما يؤدي إلى تبلد المشاعر، وتراجع القدرة على التعاطف، ونقص المرونة النفسية. وهي تختلف عن الاحتراق الوظيفي، إذ تنبع تحديدًا من "عبء الاهتمام بالآخرين".

ثانيًا: الاحتراق الوظيفي (Burnout). أشار كالفو وزملاؤه (Calvo et al., 2021) إلى تقديرات تفيد بأن واحدًا من كل ثمانية أطباء أسنان يعاني من الاحتراق الوظيفي. وهو متلازمة مهنية تتميز بالإرهاق المزمن، والسخرية من العمل، والشعور بعدم الإنجاز. فالاحتراق ليس مجرد تعب، بل عامل خطر للإصابة بالاكتئاب، والأمراض الجسدية كأمراض القلب واضطرابات العضلات، وقد يقود إلى سلوكيات مدمرة كالوقوع في المخدرات.

ثالثًا: الضيق الأخلاقي (Moral Distress)، ويحدث عندما يعرف الطبيب "ما هو التصرف الصحيح" لكنه يعجز عن فعله بسبب قيود خارجة عن إرادته، مثل سياسات المؤسسة، أو الضغوط المالية، أو نقص الموارد. هذا الصراع الداخلي يُحدث ما يشبه "الجرح الأخلاقي"، ويؤثر بعمق على سلامة الطبيب النفسية.


ولذلك، فإن الأثر الممتد لهذه التحديات لا يتوقف عند الطبيب وحده. فعندما تتدهور عافية الطبيب، يدفع الجميع الثمن. على مستوى المهنة، يؤدي ذلك إلى زيادة معدلات الاستقالة، والتقاعد المبكر، ونقص الكوادر، مما يهدد استدامة القوى العاملة، لا سيما في المناطق النائية. وعلى مستوى المريض، يصبح الطبيب المنهك والمكتئب أكثر عرضة للوقوع في الأخطاء الطبية، وأقل قدرة على إرضاء مرضاه أو التواصل معهم بفعالية.


أمام هذا الواقع، يبرز سؤال طبيعي: ما العمل؟

لا شك أن بناء المرونة النفسية (Resilience) عنصر مهم، وأن امتلاك الطبيب لأدوات شخصية تساعده على تنظيم عمله والتعامل العملي مع الضغوط اليومية قد يسهم في تخفيف حدة الإجهاد. ومع ذلك، فإن الاكتفاء بهذا الجانب وحده لا يعالج أصل المشكلة؛ لأنه يركّز على كيفية تكيّف الطبيب مع الضغط، ويضع العبء على استجابته الفردية، دون الالتفات إلى الظروف المهنية والتنظيمية التي تُنتج هذا الضغط من الأساس.

فحصر الحل في دعوة الطبيب إلى أن يكون أقوى أو أكثر قدرة على التكيّف يُغفل أن جزءًا كبيرًا من العبء ناتج عن عوامل خارجية تتجاوز قدرة الفرد على التحكم بها؛ مثل بيئات العمل الضاغطة، ومحدودية الدعم الإداري، وغياب التقدير المهني المنظم. وهي عوامل تتراكم آثارها مع الوقت، وتستنزف القدرة على التكيّف مهما بلغت قوة الطبيب الفردية. ومن هنا، فإن المعالجة الأكثر توازنًا لا تقوم على تحميل الطبيب المسؤولية وحده، بل على الاعتراف بهذه العوامل، والعمل على معالجتها ضمن إطار مؤسسي وتنظيمي أكثر وعيًا وإنصافًا.


إن هذا الواقع المهني المرير لم يمر دون ملاحظة من الجهات المهنية؛ إذ دفع بعض الجمعيات المتخصصة إلى تطوير استجابات عملية، بدل الاكتفاء بالتوصيف النظري للمشكلة. ففي هذا السياق، أدرجت الجمعية الأمريكية لطب الأسنان ضمن موارد الرفاه (Wellness Resources) مجموعة من الأدوات الموجهة لدعم الأطباء في التعامل مع الضغوط المهنية. ومن بين هذه الأدوات يبرز "مؤشر الرفاه" (Well-Being Index)، وهو أداة تقييم ذاتي طُوّرت بالتعاون مع مايو كلينك، وتهدف إلى تمكين الطبيب من قياس مستوى الإجهاد النفسي، والإرهاق المهني، ومؤشرات الضيق المرتبطة بالعمل.

يعتمد هذا المؤشر على استبيان مختصر، ويُقدَّم في إطار يضمن السرية التامة وعدم الكشف عن الهوية (Anonymous)، وهو عنصر أساسي لتشجيع الاستخدام الصادق دون الخوف من الوصم المهني أو التبعات الإدارية. ولا يقتصر دور هذا المؤشر على رصد الحالة النفسية فحسب، بل يتيح للطبيب مقارنة وضعه الحالي بمستويات معيارية، مما يساعده على إدراك موقعه ضمن طيف الضغوط المهنية بصورة أكثر موضوعية. كما يُسهم في تحويل الشعور العام بالإجهاد — الذي قد يكون غامضًا أو مُهمَلًا — إلى مؤشرات قابلة للقياس، تسهّل اتخاذ قرارات مبكرة تتعلق بطلب الدعم أو تعديل نمط العمل.


ختامًا: للحفاظ على ابتسامة الطبيب — التي يصنعها للآخرين — نحتاج إلى تحرك مزدوج: تعزيز المهارات الشخصية للتعامل مع التوتر، وبالتوازي، إحداث تغييرات هيكلية في المؤسسات الصحية لخلق بيئة عمل أكثر إنسانية، تصب في مصلحة الطبيب، حتى تصب في مصلحة المريض.