تُعدّ الأسرة الصلة الأولى التي تربط الطفل بالعالم الخارجي، ومنها تتشكّل نظرته إلى ذاته، وإلى الآخرين، وإلى القواعد التي تنظّم السلوك الاجتماعي. ولا يقتصر دور الأسرة على توفير الرعاية الجسدية، بل يمتد ليشمل إعداد الطفل للحياة خارج نطاق المنزل، عبر ما يُعرف بـ التنشئة الاجتماعية (Socialization).
وتشير التنشئة الاجتماعية إلى العملية التي يتعلّم من خلالها الطفل الأساليب السائدة في جماعته الاجتماعية أو مجتمعه، ويستوعب القيم الثقافية، والتوقعات، ومعايير السلوك المقبولة. ويمكن النظر إلى هذه العملية بوصفها "تنمية الطبيعة"، حيث تنقل الأسرة للطفل الإطار الذي يفسّر به العالم ويتفاعل معه.
وتُعدّ الأسرة الساحة الرئيسة للنمو الاجتماعي. وعلى الرغم من أن التنشئة الاجتماعية وإعادة التنشئة قد تستمران طوال الحياة، فإن الطفولة تُعدّ مرحلة فريدة من حيث القابلية للتشكّل، إذ تُرسَّخ خلالها المهارات الاجتماعية، وسمات الشخصية، والقيم الأساسية. وقد أوضحت ماكوبي (Maccoby, 1991) أن من أمثلة التنشئة الاجتماعية تعلّم مشاركة الألعاب، وطاعة طلبات البالغين، والتصرّف بلباقة واحترام.
ولا يقتصر أثر التنشئة الاجتماعية على السلوك اليومي فقط، بل يمتد ليؤثّر في استجابة الطفل للمواقف العلاجية والطبية. إذ تؤثّر في معايير السلوك التي يتبنّاها الطفل، وموقفه من سلطة البالغين، ومقدار الانزعاج الذي يراه مبررًا للشكوى، والطريقة التي يعبّر بها عن الضيق أو الخوف داخل العيادة.
وينعكس منظور الوالدين وفلسفتهم تجاه الطفل من خلال ما يُعرف بـ نمط التربية (Parenting Style)، وهو الإطار العاطفي والسياق العام الذي تُدار ضمنه ممارسات التنشئة اليومية داخل الأسرة. ولا يقتصر نمط التربية على ما يفعله الوالدان في مواقف محددة، بل يشمل الجو النفسي العام الذي ينشأ فيه الطفل، وكيف تُفهم الحدود، وكيف يُعبَّر عن الحب، وكيف يُتوقَّع من الطفل أن يضبط سلوكه.
وتأخذ تصنيفات أنماط التربية في الاعتبار التوازن بين بعدين أساسيين:
- دفء الوالدين واستجابتهم العاطفية، أي مقدار القرب، والاحتواء، والانتباه لاحتياجات الطفل.
- الضبط السلوكي الوالدي، المتمثّل في وضع القواعد، والمتابعة، والمطالبة بسلوك مناسب نمائياً واجتماعياً.
وقد قدّمت باومريند (Baumrind, 1973) أول تصنيف واسع الاستخدام لأنماط التربية، حيث جمعت بين درجة الاستجابة العاطفية ومستوى الضبط السلوكي لتقسيم أنماط التربية إلى ثلاثة أنماط رئيسية: السلطوي الديموقراطي (Authoritative)، التسلّطي (Authoritarian)، المتساهل (Permissive). ولاحقًا، قام ماكوبي ومارتن (Maccoby & Martin, 1983) بتطوير هذا التصنيف، فاستبدلا مصطلح "متساهل" بمصطلح "مدلّل (Indulgent)"، وأضافا نمطًا رابعًا هو المُهمل (Neglectful).
هذه المسميات الأربع لأنماط التربية تُستخدم لوصف الإطار العام الذي تُدار فيه العلاقة بين الوالد والطفل. ولا تُستخدم بوصفها أحكامًا، بل أدوات لفهم الفروق في الجو الأسري الذي ينشأ فيه الطفل، وما يترتب عليه من اختلافات في السلوك والتكيّف.
يبرز في طليعة هذه الأنماط نمط السلطوي الديموقراطي (Authoritative)، وهو النمط الذي يجمع بين القرب العاطفي والوضوح في القواعد. في هذا الإطار، يشعر الطفل بأنه مسموع ومحتوى، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن هناك حدودًا واضحة ومتّسقة. القواعد لا تُفرض لمجرّد الفرض، بل تُشرح وتُبرّر بما يناسب عمر الطفل وقدرته على الفهم، ويكون الهدف الأساسي هو مساعدة الطفل على تعلّم ضبط ذاته تدريجيًا، لا مجرد فرض الطاعة.
يليه نمط التسلّطي (Authoritarian)، حيث يكون التركيز الأكبر على النظام والانضباط الصارم. تُفرض القواعد دون نقاش، ويُتوقَّع من الطفل الامتثال والطاعة، مع مساحة محدودة للحوار أو التعبير العاطفي. في هذا النوع من البيئات، يتعلّم الطفل أن للبالغ سلطة واضحة، وأن الدور المطلوب منه هو الالتزام بما يُطلب منه، أكثر من تعلّم التفسير الداخلي للسلوك.
أما نمط المتساهل (Permissive) أو المُدلِّل أو (Indulgent)، فيتميّز بقدر عالٍ من القرب العاطفي مقابل غياب الحدود الواضحة. تُلبّى رغبات الطفل بسهولة، ويُمنح مساحة واسعة للاختيار والتحكّم، غالبًا دون توجيه ثابت أو قواعد متّسقة. يشعر الطفل هنا بالاحتواء والقرب، لكنه قد يفتقر إلى الإطار الذي يساعده على تحمّل المسؤولية، أو تقبّل الإحباط، أو فهم حدود السلوك المقبول.
وأخيرًا، يأتي نمط المُهمل (Neglectful) ، وهو النمط الذي يغيب فيه كلٌّ من الدفء والتنظيم. يكون الوالد قليل الانخراط، متباعدًا عاطفيًا، أو غير مبالٍ، ما يترك الطفل يواجه العالم دون إرشاد أو دعم كافٍ. في هذا السياق، يرتفع خطر الإهمال، وتضعف لدى الطفل القدرة على بناء إحساس مستقر بالأمان وضبط السلوك.
ويُعبَّر عن أنماط التربية عمليًا من خلال ممارسات التربية (Parenting Practices)، وهي السلوكيات اليومية التي يستخدمها الوالدان لمساعدة الطفل على تحقيق نتائج ذات قيمة اجتماعية، مثل تنمية الضمير، والتعاون، والامتثال لقواعد المجتمع، والنجاح الأكاديمي.
وقد أوضح دارلينغ وستينبرغ (Darling & Steinberg, 1993) أن هذه الممارسات تشمل:
- سلوكيات موجّهة نحو هدف (كالإقصاء المؤقّت، والعقاب البدني، والتعيير)
- وسلوكيات غير موجّهة (كنبرة الصوت، ولغة الجسد، والتعبير العاطفي)
ويعتاد الأطفال على هذه الممارسات، ويطوّرون قدرة دقيقة على قراءة الحالة الداخلية لوالديهم. فالطفل ذو النمو الطبيعي يستطيع إدراك رضا أو ضيق والديه بسرعة من خلال نبرة الصوت ولغة الجسد، حتى دون كلمات صريحة.
ولا يمكن فصل هذه الممارسات عن السياق الثقافي الأوسع، فالثقافة تؤثر بشكل شامل على الحياة الأسرية، بما في ذلك الطريقة التي يُنشّئ بها الوالدان أطفالهم. وتحمل أنماط وممارسات التربية معاني نفسية وثقافية تختلف من مجتمع إلى آخر. فقد يحمل سلوك الوالدين الصارم رسالة رعاية واهتمام في ثقافات تُقدّر الضبط السلوكي العالي، بينما قد يُفسَّر السلوك ذاته في ثقافات أقل تشدّدًا على أنه نقد غير متعاطف، كما أشار هو وزملاؤه (Ho et al., 2008).
ورغم أن النمط السلطوي الديمقراطي ارتبط في كثير من الدراسات بنتائج نفسية–اجتماعية إيجابية، فإن بعض الأبحاث وجدت نتائج أفضل للنمط التسلّطي تبعًا للسياق الأسري والثقافي، كما أوضح ديتر-ديكارد وزملاؤه (Deater-Deckard et al., 1996). ومع ذلك، لم تُسجَّل نتائج إيجابية متّسقة مع نمطي التربية المتساهل أو المُهمل في أي ثقافة.
إلى جانب ذلك فإنه لا يوجد نمط تربية واحد "أفضل" يصلح لجميع الأطفال. إذ تُعدّ الحالة الداخلية للطفل من حيث الخوف والاستثارة والقلق عنصرًا أساسيًا في قابليته للتعلّم الاجتماعي. وقد أوضحت كوخانسكا وزملاؤها (Kochanska et al., 2007) أن أفضل النتائج تظهر عندما يكون أسلوب الوالد متناغمًا مع مزاج الطفل، حيث يستجيب الأطفال ذوو المزاج الخائف للانضباط اللطيف، بينما يحتاج الأطفال منخفضو الخوف إلى تفاعلات إيجابية متبادلة أكثر من الضغوط المباشرة.
كيف ينعكس ذلك السلوك داخل العيادة؟
في عيادة طب أسنان الأطفال، لا يبدأ فهم سلوك الطفل من الكرسي أو الإجراء، بل من ملاحظة بسيطة لطريقة تفاعل الوالد مع طفله. فبالنسبة للطبيب المتمرّس، قد تتكوّن صورة أولية عن نمط التربية خلال دقائق من الحوار أو الملاحظة. أمّا الطبيب الأقل خبرة، فقد يجد فائدة كبيرة في طرح أسئلة غير مباشرة ضمن التاريخ الاجتماعي، تساعده على استكشاف فلسفة الأسرة في التعامل مع الطفل دون الحاجة إلى أدوات تقييم رسمية.
غالبًا ما تكشف طريقة اتخاذ القرار داخل الأسرة الكثير عن توقعات الطفل داخل العيادة. فبعض الأسر ترى الوالد مرجعًا واضحًا وصاحب القرار النهائي، بينما تميل أسر أخرى إلى إشراك الطفل في القرار بدرجات متفاوتة، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى أن يكون الطفل هو الطرف الأقوى في توجيه مجريات الأمور. هذا الاختلاف ينعكس مباشرة على سلوك الطفل العلاجي: هل ينتظر التوجيه بهدوء؟ أم يطالب بالاختيار؟ أم يشعر بالارتباك عندما لا يُمنح دور القيادة الذي اعتاده في البيت؟
كما يظهر نمط التربية في موقف الوالدين من إعطاء الطفل مساحة للاختيار. فهناك من يرى أن كثرة الخيارات تعبير عن الاحترام والثقة، في حين يفضّل آخرون التوجيه المباشر، خصوصًا في المواقف التي تتطلب تنظيمًا وحزمًا. ويبرز الاختلاف أيضًا في فهم حدود “الحب”؛ إذ يعتقد بعض الوالدين أن الاستجابة الدائمة لرغبات الطفل دليل رعاية واحتواء، بينما يرى آخرون أن الحب لا يتعارض مع وضع حدود واضحة ومتّسقة.
وتتجلى هذه الفروق التربوية في تفاصيل يومية قد تبدو بسيطة، مثل مقاطعة الطفل لمحادثات الكبار، أو الحاجة المتكررة لإعادة الطلب أكثر من مرة حتى ينفّذ ما طُلب منه. فمثل هذه السلوكيات لا تعبّر فقط عن سلوك الطفل في لحظته، بل تعكس ما اعتاده داخل بيئته الأسرية من حدود، وتوقعات، وأنماط تفاعل.
وتساعد قراءة هذه المؤشرات الطبيب على توقّع مدى استجابة الطفل للتوجيهات داخل العيادة، وعلى تقدير مستوى الدعم الذي قد يقدّمه الوالدان للهيكل والتنظيم المطلوبين أثناء العلاج. فالأطفال الذين نشؤوا في بيئات تضع للبالغين دورًا قياديًا واضحًا—سواء كانت سلطوية ديمقراطية أو أكثر صرامة—غالبًا ما يكونون أكثر تقبّلًا لتوجيهات الطبيب، ويميل آباؤهم إلى دعم القواعد والتنظيم الذي يقدّمه الفريق العلاجي.
في المقابل، قد يدخل الأطفال القادمون من بيئات متساهلة إلى العيادة وهم متعوّدون على مساحة واسعة من الاختيار والتحكّم. وعندما يجد الطفل نفسه في موقف لا يمكن فيه قيادة القرار أو التفاوض على كل تفصيلة، قد يشعر بالإحباط أو فقدان السيطرة، وهو ما قد ينعكس على مستوى تعاونه أثناء العلاج. وفي مثل هذه الحالات، يحتاج الطبيب غالبًا إلى وقت أطول لبناء إطار واضح للتعامل، وإلى تواصل أدق مع الوالدين لشرح أهمية البنية والتنظيم داخل السياق العلاجي، بما يخدم مصلحة الطفل ويُسهّل التجربة العلاجية.